للموت يوم آخر… لهدى مشهراوي

كتب وليد الهليس – غوتنبرغ
في ”للموت يوم آخر” تقترب هدى من حياة رجل فلسطيني وُلد في أحد مخيمات اللجوء في لبنان لأبوين لاجئين. لكنه، كأن اللجوء إرث لا يكفي أن يُورَّث مرة واحدة، يحمل منفاه معه ليصنع لنفسه لجوءاً آخر في مدينة غوتنبرغ السويدية.
تأخذنا الرواية في رحلة تكاد تكون تلصصاً موجعاً على حياة مغلقة؛ أكثر من ستة عقود من عمر مدموغ بالنبذ والتعلّق المخذول والدوران حول الأشياء من دون القدرة على بلوغها. رجل يلوب حول الحياة كما يلوب الغريب حول بيت يرى نوافذه مضاءة ولا يعثر على بابه؛ لا يدخلها تماماً، ولا يستطيع مغادرتها.
إنه وجود صاغت ملامحه يد قدر قاسٍ، كأنها تعمدت أن تمنحه عمراً كاملاً من الانسحاق: أنكرت عليه أن يرغب، ثم ذهبت في قسوتها أبعد، فحرمته حتى ذلك «المجد» الصغير الذي يناله أكثر البشر بساطة: أن يكون مرغوباً من أحد.
منذ أعمالها السابقة، وبصورة لافتة في ”كف عدس”، كانت هدى المشهراوي تسعى إلى بناء صوت روائي يخصها، وأعتقد أنها قطعت في ذلك شوطاً واضحاً. يكمن جانب من فرادة عالمها في اختيار الشخصيات التي لا تقف عادةً في منتصف الضوء؛ أولئك الذين تدفعهم الحياة إلى الهوامش، ثم تطالبهم، بسخرية قاسية، بأن يعيشوا كما لو أنهم يقفون في المركز.
حول شخوصها تقيم هدى جدراناً متساندة. يحاولون اجتيازها، وتدعهم يقتربون من حافاتها، ثم تعيدهم الحياة إلى الداخل. كأن الرغبة نفسها امتياز لم يُمنح لهم، وكأن مجرد أن يصبو المرء إلى شيء هو تجاوز للحدود المرسومة له.
والصبوة، في عالم هدى، ليست تفصيلاً في الحياة؛ إنها الحياة ذاتها.
فنحن لا نحيا بما نمتلك، بل بما لا نزال قادرين على أن نصبو إليه.
نحيا ما دمنا نسير نحو شيء.
ولهذا يبدو السير في عالمها الروائي فعلاً مريباً، وربما محرّماً؛ لأن السير يعني أن يجرؤ الإنسان على تخيل مكان آخر غير المكان الذي حُشر فيه.
الحياة صبوة، والسير إليها حرية؛

Leave a comment