أحمد عزام – غوتنبرغ
لا تفتح النافذة.
ليس لأنك لا تريد، بل لأن صدمة المنفى الجديد هي صدمة الهواء الأول.
تنظر إلى المكان كأنك قادم من زمن آخر؛ فالزمن السويدي يخرج من ذلك الشق الضيق في نافذة لا تسمح بأن تُشرع على آخرها. قيدٌ لئيم يقيّد المصاريع، فتخطر لك الفكرة: أفي بلاد الحرية لا حرية للنوافذ؟
لا نساء يجلن بنظراتهن من الشبابيك ليشبكن المارة فرادى وعلى الجملة، ولا حبال غسيل تنقّط ماءها العطر لترسم خرائطها السائلة على الإسفلت. أين ذاك العبير في بلادٍ سلّمت نوافذها لأمزجة هواءٍ “مُحتل”؟
تتوقف عند هذه المفردة العربية اليتيمة المُحتل:
كلمة تثبّت معناها ونقيضه معاً: القاتل مقتول، والمقتول قاتل، والمكان مسكون ومهجور في آن. والحنين يستوي عند الأعمى والبصير. ذاك هو الوطن، وتلك ناصية الأمور.
تحاول أن تعثر على تجربتك الخاصة في الكتابة عند الانتقال من مكان إلى آخر. لكنك تكتشف سريعاً أن هذا النوع من الكتابة قد أُنهك. أُسرف فيه حتى صار القارئ أكثر حضوراً من الكاتب، وصار الحنين عضلة تُنفخ، لا تجربة تُعاش. ما كان يُفترض أن يكون ذاتياً، صار استنساخاً أنيقاً، تتطابق فيه الصور، ويقع الشبيه على الشبه، حتى يبدو المكان الأول قاعدة ثابتة، ويغدو المنفى المعاش استثناءً مؤجلاً.
أما المنفى المركّب، فجداله يشبه أن تولد فجأة في العشرين.
فالمكان الأول ليس أولاً تماماً للفلسطيني السوري. ومع تراكم الأمكنة، يصير المكان طريقاً، والطريق مستقراً مؤقتاً، وما الأخير سوى خيالٍ هزيل يزورك كحلم مستحيل. لا جذور، لا طفولة عادية، بل تدريب مبكر على ديمومة الكارثة. لا تفاضل هنا بين السوري والفلسطيني السوري، سوى أن الأول يعيش مأساة اللجوء، فيما يعيش الثاني هزل تكرارها.
يحتاج الهارب إلى وقت قبل أن يحتفي بشوارع أوروبا الجديدة.
الهاربون لا يرون جمال المدن؛ المدن، ببنيانها المصقول وشوارعها المغسولة، تبدو كنساءٍ متباهيات بدلالهن وهنّ يلفظن المساكين. لكل شارع غصّة، ولكل ساحة طعنة. تمشي مشدوهاً، وظهرك مطعون ببلادٍ بعيدة تزداد قبوراً، فيما يزداد قلبك فراغاً.
الكآبة تشرّع سكينها، وأنت على شفير السقوط، فتلجأ إلى ما يُسمّى وسائل تواصل—والحق أنها وسائل انفصال—بحثاً عن أصدقاء قدامى يعلّلون وجودك بأي وهم. لكنك لا تنجو من كآبتهم هم أيضاً، من دماثتهم المفتعلة، من مبالغاتهم التي تخفي هشاشة مشتركة.
في مكالمة فيديو مع صديقة مقيمة في أوروبا، ينزلق الحديث إلى معنى القيمة بعد عبور الحدود: المكان، العائلة، المسافة القصيرة بين الأصدقاء، ترف القرار بين البقاء والخروج. تتفاعل الصديقة، ثم تنقلب فجأة، ساخرة، حانقة، تشتم المجتمع والعادات والتقاليد، ذلك “الخراب” الذي صنعنا ككائناتٍ هائمة. ثم تصبّ غضبها عليك وتسألك عن معنى الحنين إلى كل هذا.
وقبل أن تُغلق الاتصال، تقول ببرودٍ قاسٍ:
“سلامتك من سكين الحنين يا نعجة النزوح”.
تتأمل الجملة طويلاً، ثم تصل إلى خلاصة لا مهرب منها: نحن الألم الكامل، بلا خديعة أمل. وليس مصادفة أن الألم والأمل من الحروف ذاتها؛ الصدفة الوحيدة هنا هي نحن.
يسألونك عن الحرية.
كأنها تجربة جاهزة، كأنها تُستورد مع بطاقة الإقامة. لكن الحرية هنا تتجلى كفردية معزولة، تتصدرها تسليعات الجسد، ومساواة شكلية تفصل الأدوار الجندرية بعنف ناعم. كل شيء قابل للبيع. الفرد يعرّف نفسه عبر المؤسسة لا عبر الجماعة، وتصبح قيمته مرهونة بقدرته على تسويق ذاته.
كما قال إريك فروم: الإنسان يبيع نفسه في بازارات الشخصية.
التنظيم لا الحرية هو ما يحكم العلاقات.
ومن لا يملك منفعة واضحة، يُستبعد من اللعبة. هنا تفهم العلاقة الوثيقة بين الفرد والكلب، لا كعاطفة، بل كنظام.
فما قيمة حرية لا تُعرّف إلا خارج العلاقات الإنسانية؟
حتى القوانين، بكل حيادها، تشارك في ترويضك.
مرضٌ عابر يتحول إلى شهر انتظار. ممرض بعد أيام، طبيب بعد أسابيع. وإن فكرت بالعلاج الخاص، وجدت نفسك في متاهة إجرائية لا تقل قسوة. المهم أن تنام، لأن النوم يعني أنك قادر على النهوض للعمل. لن يتدخل أحد إلا إذا كنت على شفير الموت.
تنظر إلى بطاقة التأمين الصحي، وتترحم على عيادات العشوائيات، على كرت الإعاشة، وعلى الفوضى التي كانت-رغم كل شيء-أكثر رحمة.
مع الوقت، يصلح المكان نفسه.
تستقر السكينة، وتدور حياتك كمسنن صغير في ماكينة ضخمة. لا ألم، نعم. لكن لا أمل أيضاً
وهنا، يظهر وجه الحرية الخائب، عارياً من وعوده.

