هدى المشهراوي -غوتنبرغ
أسئلة كثيرة عن الكتابة راودتني منذ اليوم الأول الذي اكتشفت فيه أنني مشروع كاتبة، وأنني قادرة على رسم حكايات وصور لأناس من الخيال. لعلّ أهم تلك الأسئلة كان: هل الكتابة فعل إبداعي لا يقدر عليه إلا المبدعون، أم أنها عمل، فعل إنساني متاح للجميع مثل أي عمل آخر؟
قد يبدو الجواب بديهيًا وبسيطًا: الكتابة فعل متاح لكل إنسان. ما عليك سوى أن تمسك ورقة وقلم، أو تجلس أمام لوحة مفاتيح، وتفرغ ما في جعبتك.
ولكلّ منا جعبة ممتلئة بالتجارب والقصص. حكايات لا تنتهي، وقد تصلح لأن تكون روايات تملأ رفوفًا كاملة.
الكلمة هي أول ما يتعلّمه الطفل كوسيلة للتواصل والتعبير، ثم يأتي القلم، الذي أراه واحدًا من أكثر “الألعاب” إدهاشًا في حياة الطفل. منذ سنواته الأولى يمسك القلم ويبدأ بالخربشة على كل ما تطاله يداه: أوراق، كتب، فواتير، ولا تسلم من توقيعه جدران البيت. كأنه يعلن حضوره في العالم، مهرجان ألوان وأولى محاولات الإبداع، يمارسها الطفل بمتعة لا تعادلها متعة.
ومع تشكّل وعي الطفل، يبدأ برسم أشكال ينقلها من الواقع كما يراه هو، لا كما نراه نحن. كان ابن صديقة لي يرسم الناس على شكل نقاط صغيرة، بينما يرسم كل ما عدا الإنسان — الشجرة، البيت، القطة، الكلب — بأحجام ضخمة تكاد لا تتسع لها الورقة. كان صغيرًا جدًا، ولم يستطع تفسير رؤيته، فواسينـا أنفسنا بالقول إنه طفل عبقري يرى حقيقة أزلية نسيها الكبار: أننا صغار أمام عظمة الكون.
حين ينتهي عهد الخربشة، يبدأ الطفل برسم نفسه وأمه وأبيه، ثم تتسع الصورة لتشمل إخوتَه، أصدقاءه في المدرسة أو الروضة، معلمته المحببة، الأشجار والزهور. أليس هذا نوعًا من الكتابة؟ أليست هذه هي الكتابة الأولى، حين يحكي الطفل حكاية الناس والأشياء من حوله وفق رؤيته وحاجته إلى التعبير، قبل أن يتعلّم الأبجدية؟
الكلّ يستطيع الكتابة. لكلّ واحد قصة يريد أن يرويها بطريقته. الحكواتي ناقلٌ لقصص الآخرين، يعيد صياغتها ليسعد المستمعين ويغذّي خيالهم ببطولات من صنع الخيال. أولم يكن كثير من شعراء الجاهلية أميين لا يعرفون الكتابة، وتركوا خلفهم إرثًا شعريًا عظيمًا؟
ولعلّ وسائل التواصل الاجتماعي خير دليل على تعلّق الناس بهذا الفعل؛ كم من كتّاب وشعراء وُلدوا على صفحات فيسبوك، ولكلٍّ منهم قرّاؤه ومحبّوه، مهما قال كبار النقّاد إن ما يُكتب لا يساوي “خربشات طفل”.
نعم، الكل يستطيع أن يروي حكايته، لكن الفعل الأهم هو القراءة. لمن نكتب؟ ومن يقرأ؟ القراءة هي أن تستعير خيال الآخرين، أن تجعل كلماتهم وأشخاصهم كائنات من لحم ودم تسكن رأسك، تلاحقك، تتسلّط عليك، وتزورك أحيانًا في المنام.
الكتابة الإبداعية لعبٌ بالحرف، ورقصٌ بالكلمات. أن تطوّع اللغة، تعيد تشكيلها، وتطلقها لتخلق الدهشة في المتلقي. أن تفتح أبواب المشاعر على مصاريعها: حبًا أو كرهًا، إحباطًا أو أملًا. أن تحرّض القارئ على التفكير، أن تكسر التابوهات، وأن تجعله يعيد النظر في المسلّمات.
الكتابة هوس، وسواس يسكنك، وهي في الوقت ذاته عمل واحتراف. عملية خلق لا تتركك وشأنك حتى ترى عالمًا يتشكّل أمامك: أناس يركضون، يحبّون، يتألمون على صفحاتك. شخصيات تحاسبك، تفرض عليك وجهات نظرها، وقد تجبرك أحيانًا على تبرير مشاعر لا تقنعك أنت نفسك. الكتابة شيطان يسكن تحت جلدك، لا يراعي حرمة ولا خصوصية، ويكشف كل شيء على الملأ.
ليس أجمل من فعل الخلق هذا: أن تعيد تشكيل الناس، ترميمهم، وتقديمهم وفق رؤيتك الخاصة، حتى لو كانت بعيدة كل البعد عن حقيقتهم. أنت تراهم حين لا يراهم أحد، تثقب أعماقهم بعينيك، وتعيد رسمها على الورق. أنت من يقرر تفاصيل حياتهم: كيف يحبون، ماذا يأكلون، كيف ينامون، من يكرهون، من يخونون، ومن يموت… ومتى.
الكتابة علاج ضد الكآبة، غسل للروح، ومحاولة لتلميع النفس المتعبة وتقديمها من جديد، لك وللآخرين.
الكتابة قلق وجنون. عالم تعيش فيه وحدك مع جنود اخترعتهم. تطلقهم متى شئت، وتحبسهم متى تمرّدوا. تهملهم حتى يلينوا ويعودوا طائعين بين حروفك.
الكتابة همّ يسكنك، وموت صغير يصيب روحك حين يعصى القلم ولا يطيعك، حين تقف الكلمات صامتة في داخلك ولا تجد طريقها إلى الورق.
وهنا يكمن الفرق…
بين أن يكون لديك ما يُحكى،
وبين أن تكون كاتبًا.
