أحمد عزام ـ كاتب وشاعر
غوتنبرغ
لا تنبع العتمة في مجموعة ”جون كينيدي يهذي أحيانا” من رغبة جمالية في استعراض الخراب بل من
تجربة تاريخية صار فيها الواقع نفسه عصيّاً على التصديق.
فالكاتب ابن غزة ولذلك لا تظهر الحرب في نصوصه بوصفها حادثة تقع خارج الإنسان، وإنما بوصفها
قوة تسكن اللغة والجسد والذاكرة والحلم، وتعيد تشكيل العلاقة بين الحياة والموت، حتى يغدو خروج
الموتى من القبور أقل غرابة من استمرار العالم في مراقبة موت الأحياء.
تقوم قصص المجموعة على إزالة الحدود المألوفة بين الواقع والخيال، وبين الموت والحياة، وبين الكاتب
وشخصياته. فيدخل راوٍ ميت جسد امرأة، ويعود جون كينيدي إلى الحياة ليجري مقابلة تلفزيونية، ويلتقي
الزمّار بشخصيات تنتمي إلى عصور متباعدة، ويفقد البشر قدرتهم على الحلم.
هذه المشاهد ذات النزعة السريالية لا تهرب من الواقع بل تحاول فضحه . فعندما يصبح الواقع السياسي
غير معقول قد تكون الكتابة الكابوسية أكثر صدقا من الوصف الواقعي المباشر.
ويمنح عنوان المجموعة جون كينيدي يهذي أحيانا مفتاحا مهماً لقراءتها، فالهذيان ليس مجرد اضطراب
في الكلام بل طريقة سردية تسمح باختلاط الأزمنة والأمكنة والشخصيات والتاريخ بالذاكرة، والحلم
بالخبر السياسي. وكأن اللغة نفسها أصيبت بصدمة الحرب ولم تعد قادرة على ترتيب العالم وفق منطقه
القديم.
تكشف النصوص أيضاً عن العلاقة بين العنف واللغة، فالحروب لا تبدأ بالقنابل وحدها وإنما تسبقها
كلمات تمنح القتل أسماء مقبولة مثل الدفاع والأمن والضرورة والاستقرار ثم تأتي وسائل الإعلام لتحول
الضحية إلى رقم والمجزرة إلى خبر والجريمة إلى خلاف بين طرفين.
لهذا تزدحم القصص بالمذيعين والمحللين والزعماء ورجال الدين والكتّاب فالجميع يتحدث، لكن كثرة
الكلام لا تمنح الضحايا صوتاً بل تصنع ضجيجا قد يحجب الحقيقة.
في قصة جون كينيدي يمنح الكاتب نفسه سلطة إعادة رئيس مقتول إلى الحياة ثم يضعه داخل مقابلة
إعلامية جديدة لكن الشخصية التاريخية لا تتحرر بعودتها من الموت لأنها تقع مرة أخرى تحت سلطة
الإعلام والسياسة وإرادة المؤلف، وهنا تصبح الكتابة نفسها موضع سؤال ! هل يستطيع الكاتب إنقاذ
ضحاياه أم أنه يعيد استخدامهم كي يقول أفكاره.
وفي عالم بلا أحلام يبدأ النص بفرضية قوية وهي فقدان البشر قدرتهم على الحلم فلا يعود الحلم ترفاً
نفسياً بل يصبح آخر مساحة لم تستطع السلطة احتلالها وحين يموت الحلم تفقد الأجساد توازنها ويندفع
العالم نحو العنف والانهيار.
أمّا خروج الأطفال الموتى حاملين الأزهار فيوحي بأن الخلاص لن يأتي من المؤسسات التي أدارت
الكارثة بل من الضحايا ومن الذاكرة التي حاول العالم دفنها.
ومع هذه القوة الأخلاقية والتخييلية، تبدو بعض النصوص شديدة الرغبة في إيصال جميع أفكارها إلى
القارئ، فلا تكتفي أحياناً ببناء الصورة بل تواصل شرح دلالاتها وتحيطها بعدد كبير من الأسماء
والمواقف والخطابات. وربما كان منح بعض المشاهد مساحة أكبر من الصمت سيزيد أثرها ويتيح
للقارئ أن يشارك في اكتشاف المعنى. فحين تقول الصورة ما يكفي يصبح الاختصار نوعا من تكثيف
القوة لا تراجعا عن الفكرة.
وليست المسألة في سوداوية المجموعة لأن هذه السوداوية مبررة وعضوية في تجربة كاتب من غزة بل
إن هذا الجحيم هو أحد مصادر صدقها. فالكاتب لا يتخيل الكارثة من بعيد وإنما يكتب من داخل أثرها
ومن ذاكرة مكان لم يعد فيه الكابوس نقيضاً للواقع، بل أن السريالية نفسها أصبحت احتجاجاً على الموت
وإعلاناً بأن الحكاية قد تكون آخر ما يبقى للإنسان حين يخسر العالم كله.
